شرح كتاب الإيمان من صحيح مسلم (31)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فيقول الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: فيما ترجم عليه النووي بباب بيان نزول عيسى ابن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة زادها الله شرفًا، وبيان الدليل على أن هذه الملة، وبيان الدليل على أن هذه الملة لا تنسَخ، وأنه لا تزال طائفة منها ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة.

يقول الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: "حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث، ح وحدثنا محمد بن رمح"، "قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث".

أحيانًا يقال: ليث، وأحيانًا يقولون: الليث، ليث والليث اسمان لمسمىً واحد، ويؤتى بال التي لا تفيد التعريف، كما يقول: عباس والعباس وغيره من الأسماء، قالوا: إن هذه ال يفهَم منها لمح الصفة الأصلية، إذا أردت أن تستحضر الأصل في التسمية تأتي بال، يعني القوة والشجاعة، الليث الأسد، وإذا أرادوا أو تناسوا هذه، وأن المراد هذا الاسم العلم على هذه الذات قالوا: ليث كما في عباس والعباس، إن أردت أن تذكِّر بالعبوس والحزن والشدة قلت: العباس، وإن أردت أن تتناسى هذه فقل: عباس على أنه علم مثل محمد وزيد وعمرو وهكذا، فإذا أرادوا لمح الصفة قالوا: الليث.

 قال -رحمه الله-: "قال: حدثنا ليث ح، وحدثنا محمد بن رمح".

ومرت بنا مرارًا، ومسلم يستعملها كثيرًا هذه الحاء المفردة للتحويل من إسناد إلى آخر، للتحويل من إسناد إلى آخر، وهي مستعملة عند غيره من الأئمة، وفي سنن أبي داود كثيرة، لكن أكثر استعمال لها في صحيح مسلم، وفي صحيح البخاري قليلة، ووضع في الصحيح مكانها المعجمة: خاء بدل الحاء، يرمزون بذلك إلى أن الإسناد عاد إلى المؤلف البخاري، وعلى كل حال يستفاد منها اختصار الأسانيد وتقويتها بعطف بعضها على بعض.

"ح وحدثنا محمد بن رمح، قال: أخبرنا الليث".

هناك قال: ليث، وهنا قال: أخبرنا الليث، وهما اسمان لمسمى واحد هو الليث بن سعد الإمام الفهمي، إمام المصريين، يقول أهل العلم: إنه أول من فرّق بين التحديث والإخبار بمصر.

"أخبرنا الليث عن ابن شهاب".

وهو الإمام المعروف محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.

"عن ابن المسيب" سعيد بن المسيب بن حزن سيد من سادات التابعين، يقول الإمام أحمد: هو أفضل التابعين، أما من حيث العلم فنعم، وأما من حيث الفضل فأويس القرني الذي جاءت مناقبه في الصحيح وطلب منه عمر الدعاء، وهو عمر بن الخطاب، بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، مما يدل على فضله وشرفه ومزيته، وأما بالنسبة للعلم فسعيد بن المسيب أميز من غيره في هذا الباب، وفي التابعين سادات علماء أئمة، في العلم والعمل، كثر فيهم ذلك، بل الكثير الغالب منهم كذلك، لكنهم يتفاوتون كغيرهم، وسعيد بن المسيب منهم بالمنزلة العليا، كما قال الإمام أحمد وغيره.

"أنه سمع أبا هريرة" صهره، صهره، أبو هريرة الصحابي الجليل صهر ابن المسيب، ولذا قالوا في مراسيل سعيد بن المسيب أنها وُجِدت كلها موصولة عن أبي هريرة؛ لأنه صهره وقريب منه، أنه سمع أبا هريرة يقول، ولذا يقول الشافعي: إرسال ابن المسيب عندنا حسن، يعني جميع مراسيله.

"أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده»".

قسم، يقسم النبي -صلى الله عليه وسلم-، والقسم لا يكون إلا على الأمور المهمة، في الشرع، والذي نفسي بيده الواو واو القسم تجر ما بعدها، والذي نفسي بيده مقسَم به، وهو الله -جل وعلا-، وفيه إثبات صفة اليد لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، وقول كثير من الشراح والذي نفسي بيده: روحي في تصرفه، كثير من الشراح يقولون: روحي في تصرفه، ولا شك أن من لازم كون النفس بيد الله -جل وعلا- أن التصرف بيده، وأنه لا يتصرف بالخلق إلا الله -جل وعلا-، لكن كثيرًا من الشراح يفرّ من إثبات اليد الحقيقية لله -جل وعلا- بهذا التأويل باللازم، وعلى هذا فيكون مردودًا ممن لا يثبت اليد، فالذي عليه أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم إثبات جميع ما أثبته الله -جل وعلا- لنفسه من الأسماء والصفات، وأثبته له رسوله -عليه الصلاة والسلام- على ما يليق بجلاله وعظمته.

«ليوشكن» اللام لام قسم محذوف تدل على قسم محذوف، والله ليوشكن، أو هي واقعة في القسم جواب القسم المذكور، ليوشكن اللام لام القسم، والقسم مذكور، والذي نفسي بيده، واقعة في جواب القسم، يوشك مضارع أوشك، وهو من أفعال المقاربة، يعني يوشك يقرب، يوشكن فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد المباشرة، وهو مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد، المباشرة يعني لم يفصل بينها وبين الفعل بشيء.

«أن ينزل فيكم ابن مريم».

يقرب أن ينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، أن ينزل فيكم ابن مريم، والنصوص جاءت بتقريب الساعة، اقتربت الساعة، وهو من لازم ذلك قرب علاماتها وأشراطها، وهذا منها، يوشك: يقرب؛ ليستعد الناس لها، ويأخذوا حذرهم من التمادي وطول الأمل.

«ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم- صلى الله عليه وسلم- حكمًا».

يعني حاكمًا.

«مقسطًا».

يعني عادلاً، قالوا: أقسط يقسط فهو مقسِط، والمقسط العادل، بخلاف القاسط الذي هو الجائر، المقسطون على منابر من نور يوم القيامة، الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا، {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن:15]، هؤلاء العادلون، وهؤلاء الجائرون، نسأل الله العافية. حكمًا مقسطًا.

«فيكسر الصليب».

فيكسر الصليب الذي تعظمه النصارى، مما يدل على أنه لا أصل له في شريعة عيسى- عليه السلام-، وأن النصارى ابتدعوه من عند أنفسهم، ولذلك من أولويات ما يفعله عيسى- عليه السلام- إذا نزل يكسر الصليب، والنصارى يغالون به ويبالغون، ويعبدونه، يسجدون له، نسأل الله العافية، ويعلقونه على نحورهم.

«يكسر الصليب، ويقتل الخنزير».

ويقتل الخنزير، مما يدل على أنه لم يحلَّ لهم، لم يحلَّ لهم، وأنه حرام عليهم، وفي هذا دليلٌ على أن المنكر يزال باليد عند القدرة، «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

«ويقتل الخنزير، ويضع الجزية».

«ويضع الجزية»، يضع الجزية؛ لأنه لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، يعني الحكم بقبول الجزية قبل نزول عيسى لا شك منصوص عليه في القرآن، {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]، لكن إذا نزل عيسى ارتفع الحكم، ارتفع الحكم، والنسخ بالدليل الشرعي النبوي، الذي قرره محمد -عليه الصلاة والسلام- لا عيسى، عيسى منفِّذ بدليل أن الحكم يستمر في شريعتنا إلى نزول عيسى، فهو مؤقَّت، وليس بمستمر إلى قيام الساعة، إنما هو إلى نزول عيسى، فيضع الجزية.

«ويفيضَ المالُ حتى لا يقبله أحد».

إذا نزل عيسى حكمًا عادلاً مقسطًا، حلّت البركات؛ بسبب هذا النبي الصالح، وبسبب العدل وبسبب العدل، ذكر المؤرخون في سيرة عمر بن عبد العزيز أن الذئاب كانت ترعى مع الغنم، لأي سبب؟ العدل والإنصاف، وإقامة الشرع، وكلما ابتعد الناس عن شرع الله، وحلّ الظلم بينهم حصل بينهم التنافس، والتناحر ونُزِعَت البركات، حتى إن المال الكثير لا يسدُّ حاجة أوساط الناس، والله المستعان، بينما القليل مع العدل وتطبيق الشرع وعمل الناس بكتاب الله وسُنَّة نبيه -عليه الصلاة والسلام- تحلّ البركة، ويكفي القليل من المال.

«ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد».

يدار بالمال على الناس في بيوتهم فلا يقبله أحد؛ لكثرته، ولقلة الرغبة فيه، لقصر آمال الناس إذا رأوا العلامات الكبرى قصرت آمالهم في الدنيا، وعظمت رغبتهم في الآخرة، وانصرفوا عن جمع المال وحطام الدنيا، بخلاف ما إذا توسعت الآمال، وغفل الناس، فإنه ينتشر الشح، ويصير الهم للدنيا كله، كما هو واقع كثير من الناس، والأمة فيها خير، أمة محمد -عليه الصلاة والسلام- فيها خير إلى قيام الساعة، الخير في أمة محمد موجود، ولكن الكلام على الكثرة، وُجِد أناس عاشوا وكأنهم خُلِقوا للدنيا، وتنافسوا وتناحروا وتقاتلوا على الدنيا، على الحطام، في عهده -عليه السلام- إذا نزل يفيض المال حتى لا يقبله أحد؛ لأن الآمال تقصر، والرغبة في الأموال تضعف وتقل، فيدار به فلا يقبله أحد.

 قال -رحمه الله-: 

"وحدثناه" يعني الحديث السابق، "عبد الأعلى بن حماد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة".

الثلاثة الإمام مسلم يروي الحديث من طريقهم عن سفيان بن عيينة، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة.

"ح وحدثنيه حرملة بن يحيى" التُّجيبي قال: "أخبرنا ابن وهب" عبد الله بن وهب، عبد الله بن وهب، وهناك الليث، وهما من أئمة المصريين، والذي يظهر أني وهمت في قولي: إن الليث هو الذي أول من فرّق بين التحديث والإخبار بمصر، والذي يظهر والذي يغلب على ظني أنه ابن وهب، ابن وهب، قال:

"قال: حدثني يونس" بن يزيد الأيلي، قال: "ح وحدثنا حسنٌ الحلواني" حسن الحلواني، "وعبد بن حميد عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثنا قال: حدثنا أبي" إبراهيم بن سعد "عن صالح" ابن كيسان، صالح بن كيسان، "كلهم عن الزهري" الحديث مداره على الزهري الإمام بجميع طرقه، صالح بن كيسان يروي عن الزهري، وهو أكبر منه، أكبر منه سنًا، ففيه كما يقال: رواية الأكابر عن الأصاغر، صالح بن كيسان ما طلب علم الحديث إلا متأخرًا، طلب الحديث متأخرًا، ولكن لا يأس مع الدأب والحرص والنية الصالحة يدرك طالب العلم ولو كان سنه كبيرًا، "عن صالح كلهم عن الزهري بهذا الإسناد".

"وفي رواية ابن عيينة" التي مرت بنا قريبًا «إمامًا مقسطًا» إمامًا مقسطًا إمامًا مقسطًا، "«وحكمًا عدلاً»، وفي رواية يونس: «حكمًا عادلاً» ولم يذكر إمامًا مقسطًا، وفي حديث صالح: «حكمًا مقسطًا» كما قال الليث". كما قال الليث.

هذه الألفاظ التي بينها الإمام مسلم من التفاوت اليسير بين الرواة، اختلاف في كلمة وزيادة أو نقص أو تقديم أو تأخير، من دقة الإمام مسلم، وحرصه على أداء الروايات كما أتت عن أصحابها، وفي حديث صالح: «حكمًا مقسطًا» كما قال الليث.

 "وفي حديثه من الزيادة: «وحتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها»".

«وحتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها»، إذا كان المال يدار به على الناس فلا يقبلونه، فما قيمة الدنيا؟ المال يدار به على الناس ولا يقبلونه، فالدنيا لا قيمة لها، الدنيا لا قيمة لها، وهذا الأصل في الدنيا إلا بقدر ما يحقق به المكلف ما خُلق من أجله، خُلق من أجل إيش؟ العبادة، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56]، فجمعه للدنيا إنما هو من أجل تحقيق هذا الهدف، «وحتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها». السجدة هي الركعة عند أهل الحجاز، هي الركعة عند أهل الحجاز، وفي صحيح مسلم «من أدرك من صلاة الصبح سجدة فقد أدرك الصبح، ومن أدرك من صلاة العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» وفي آخر الباب: والسجدة إنما هي الركعة.

"ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء:159] الآية". قالوا: كان أبو هريرة إذا رأى شابًّا من شبان المدينة قال له: إن أدركت عيسى ابن مريم فأقرئه مني السلام، قبل كم؟ قبل أربعة عشر قرنًا، فأقرئه مني السلام، هذه نظرة الصحابة وخيار الأمة للدنيا، الواحد منا بعد هذا الأمد الطويل ما يمكن أن يقول هذا إلا من ندر، تقول مثل هذا الكلام: لو أدركت عيسى فأقرئه مني السلام؟ باقٍ من الدنيا الألوف المؤلفة من السنين، عندنا مشكلتنا طول الأمل، هذا هو الذي يقضي على الإنسان، طول الأمل؛ لأن طول الأمل يجعلك تتمادى وتتراخى في العمل، ولو كانت نظرتك إلى الدنيا مثل نظرتهم ما بعدت آمالنا، وضعفت أعمالنا، والله المستعان.

 ما رأيكم لو أن شيخًا في الستين أو في السبعين إذا رأى شابًّا قال: سلم لي على عيسى ابن مريم إن رأيته؟ ماذا يقول الناس؟ يقولون: هذا اختلط، صحيح، والله، يعني أمور ضرب على قلوبنا من الغفلة ما ضُرب، حتى وصلنا إلى هذا الحد، وأبو هريرة في القرن الأول يقول هذا الكلام!

"اقرءوا إن شئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء:159] الآية".

إن هذه نافية، ما من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته بدليل الاستثناء بعدها، إلا ليؤمنن به، إلا ليؤمنن من أهل الكتاب يعني أهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى، إلا ليؤمنن به يعني بعيسى ابن مريم إذا نزل، قبل موته، الآية، الضمير هنا به يعود لعيسى قبل موته قبل موت عيسى، هذا احتمال، وهذا وجه، من توجيه أهل العلم للآية، وهذا قول الأكثر، وإن من أهل الكتاب يعني ما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به يعني عيسى- عليه السلام- قبل موته: قبل موت الكتابي، قبل أن يموت، ولو كان قبل نزول عيسى، التوجيه الأول بعد نزول عيسى، يؤمنن به إذا رآه آمن به قبل أن يموت الكتابي، التوجيه الثاني لأهل العلم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء:159] أي بعيسى -عليه السلام-، وفي توجيه ثالث: به أي بمحمد -عليه الصلاة والسلام-، قبل موته: قبل موت الكتابي؛ لأنه إذا عاين الموت صدق بجميع ما سمع، لكن هل ينفعه؟

لا ينفعه ذلك، لا ينفعه ذلك، إذا عاين ورأى ما كان يسمعه عيانًا، وجزم بأنه حق ما ينفعه، {لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام:158]، {إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء:159] الآية يؤمنن بعيسى قبل موته- عليه السلام- أو ليؤمنن به بمحمد وقبل موته يعني موت الكتابي إلى غير ذلك مما قاله أهل العلم في مرجع الضمائر، هنا قبل موته، عامة أهل العلم على أن عيسى -عليه السلام- رُفِع {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء:158]، وأن الموت المذكور المراد به النوم، النوم وليس الموت الذي هو بمفارقة الروح للحياة، وأنه حي -عليه السلام-، وينزل في آخر الزمان كما جاء في الأحاديث في النصوص القطعية المتواترة، وأما الكلام في موته الحقيقي فعامة أهل العلم يقولون: لم يمت، بل رفعه الله إليه، بل رفعه الله إليه فهو مرفوع، وينزل في آخر الزمان حكمًا عدلاً مقسطًا، بشريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-.

ذكر في شرح الأُبِّي، ونقله في شرح السنوسي عن العُتبية قولاً ضعيفًا في أن عيسى مات، وأنه في آخر الزمان تُرَد إليه الروح، لكنه قول شاذ لا يعول عليه، وإذا نزل عيسى- عليه السلام- يحكم بشريعة محمد، ذكر في أخبار قد لا تثبت أنه بعض الحنفية قال: قال: إنه يحكم بمذهب أبي حنيفة، بشريعة محمد، بمذهب أبي حنيفة، وهذا لا حظ له من النظر، بل هو مجرد تعصب، ثم جاءت القبائل، ووضعوا في ذلك ما يناسبهم، في شرح الملا علي قاري على الشفاء قال: يتزوج امرأة من جهينة، وقال آخرون: يتزوج امرأة من بني ضبَّة، اسمها راضية، كل هذا ما عليه دليل، بل هو مجرد أماني، أماني.

قال -رحمه الله-:

"حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليثٌ عن سعيد بن أبي سعيد عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لينزلن ابن مريم حكمًا عادلاً فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركَن القِلاص»" ولتتركن القلاص، القلاص جمع قلوص، وهي الفتية من الإبل قالوا: بمنزلة الشابة من النساء، القلاص جمع قلوص يقول الشاعر:

لا تأمنن فزاريًا خلوت به        على قلوصك واكتبها بأسيار

 بيت قبيح جدًّا، لكن فيه الشاهد على قلوصك، وهي الفتية من الإبل.

"«ولتتركن القلاص فلا يُسعى عليها»" يعني تُسيَّب القلاص بعد أن كانت أنفس الإبل، والإبل أشرف أموال العرب، هذا من أمثلة العزوف عن المال، وكونه لا يرغَب فيه ولا يطلَب، بل لا يقبَل، فلا يسعى عليها، يعني لا يركب عليها، ولا يهتم بها، تحيا، تموت، تضل، فلا يسعى عليها، ومنهم من يقول: فلا يبعث السعاة لأخذ زكاتها، لماذا؟ لأن الناس ليسوا بحاجة إلى مال، الناس ليسوا بحاجة إلى مال، فلا يسعى عليها.

«ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد»؛ لأن هذه الأمور الشحناء والتباغض والتحاسد ومعانيها متقاربة، مثارها التنافس على الدنيا، التنافس على الدنيا، وما في تنافس على الدنيا، فلا توجد إذا وجد إذا لم يوجد السبب لم يوجد المسبَّب، «وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد» كما تقدم، قال:

"حدثني حرملة بن يحيى" وهو التوجيبي، "قال: أخبرنا ابن وهب" عبد الله، "قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني نافع مولى أبي قتادة الأنصاري".

ما اسمه أبو قتادة؟ اسم أبي قتادة؟

طالب:...

اسمه؟

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

الحارث بن رِبعي، الحارث بن ربعي.

"مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كيف أنتم؟».

كيف أنتم؟ ما أخباركم ذلك الوقت؟ كيف أموركم؟ هو مجرد استعلام.

«كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» إمامكم منكم، قد يقول قائل: في ذلك الوقت ما فيه أفضل من عيسى ابن مريم، في أفضل منه؟ ما فيه أفضل منه، لماذا لا يكون هو الإمام في الصلاة؟

طالب:...

ولا حرف سمعته!

طالب:...

هو إذا نزل هو واحد من أمة محمد -عليه الصلاة والسلام-، هو من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولو تقدم عليهم على أمة محمد لقيل: إن في غير أمة محمد من هو أشرف منهم، في ذلك الوقت، على كل حال وإمامكم منكم، وسيأتي في الكلام ما يشوش على هذا، ولكن يأتي الكلام الحاسم فيه، يعني في بعض الروايات: «وأمَّكُم». قال:

"وحدثني محمد بن حاتم قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه" محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، "قال: أخبرني نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وأَمَّكُم؟»".

طالب:...

وأمَّكم يعني صلى بكم؟

طالب:...

ماذا؟

قال في الأول: «وإمامكم منكم»، لا شك أنه إذا نزل صار من أمة محمد؛ لأنه لا نبي بعده -عليه الصلاة والسلام-، وأمَّكم، إذا نزل فيكم ابن مريم وأَمَّكُم، صار إمامًا لكم يعني حاكمًا، ويقصد بذلك الإمامة العظمى، أما إمامة الصلاة إمامكم منكم.

"وحدثنا زهير بن حرب قال: حدثني الوليد بن مسلم قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن نافع مولى أبي قتادة عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمَّكم منكم؟» فأَمَّكم منكم، يعني صارت بين الروايتين: إمامكم منكم والثانية: فأَمَّكم، والثالثة: فأمَّكُم منكم، وتجتمع جميعها بأن الإمام من أمة محمد في الصلاة والإمامة العظمى والحكم هو عيسى ابن مريم.

"فقلت لابن أبي ذئب: إن الأوزاعي حدثنا عن الزهري عن نافع عن أبي هريرة: «وإمامكم منكم» قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت: تخبرني قال: فأمكم بكتاب ربكم فأمكن بكتاب ربكم -تبارك وتعالى-، وسنَّة نبيكم -صلى الله عليه وسلم-".

"حدثنا الوليد بن شجاع وهارون بن عبد الله وحجاج بن الشاعر قالوا: حدثنا حجاج وهو ابن محمد، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير" محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير، "أنه سمع جابر بن عبد الله" أنه سمع جابر بن عبد الله، أبو الزبير معروف بالرواية عن جابر، وفي كثير من مروياته في مسلم وفي غيره عن أبي الزبير عن جابر، وأبو الزبير معروف بالتدليس، والمدلس لا بد أن يصرح بالتحديث، وهنا صرّح، هنا يكفي إذا صرح في موضع واحد أن يحكم لأحاديث بالاتصال، ولو لم يصرِّح، ولا سيما في صحيح مسلم؛ لأن الأئمة أطبقوا على أن جميع معنعنات المدلسين في الصحيحين متصلة، أو محمولة على الاتصال، إما أنها فُتِّشَت ووُجِدت متصلة ومصرح فيها بالسماع والتحديث، أو تحسينًا للظن بالشيخين الذين تلقت الأمة كتابيهما بالقبول.

"أنه سمع جابر بن بعد الله يقول: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة».

«لا تزال طائفة من أمتي» طائفة جماعة، ويطلق على الواحد طائفة، ولذا قالوا في: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:2] قالوا: إذا حضر واحد كفى؛ لأن الطائفة تطلق على الواحد، وفي صلاة الخوف إذا كانوا ثلاثة يصحّ أن يقال: إن الإمام يصلي بطائفة بواحد، ثم تأتي الطائفة الأخرى الذي هو الثاني إلى غير ذلك من أقوال أهل العلم، مما يدل على أن طائفة كما تطلق على الجماعة تطلق على الواحد.

«لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة».

وجاء في الحديث الصحيح أن الريح تأتي من قِبل اليمن فتقبض أرواح المؤمنين، وجاء أيضًا: «لا تقوم الساعة والأرض يقال فيها: الله الله»، فيوم القيامة قرب قيام الساعة، وإلا قيام الساعة لا تقوم على أحد يقول: الله الله.

«قال: فينزل عيسى ابن مريم -صلى الله عليه وسلم- فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا» «فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا»؛ لأنه مهما كان وضع الأمير من العلم والتقى إلا أن عيسى- عليه السلام- باعتباره نبيًّا من الأنبياء أفضل منه، وعلى هذا إذا وجد الأفضل، إذا وجد الأفضل ينبغي أن يقدَّم، ويطلب منه التقدم، ولا يمنع ذلك من صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وهنا من هذا النوع.

«فيقول: ألا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمةَ الله هذه الأمة»، تكرمة الله لهذه الأمة، فلا يتقدم بين يدي الأمير من هذه الأمة فيصلي، وإلا فالحكم حكمًا عادلاً مقسطًا هذا عيسى- عليه السلام-، هذا عيسى، تكرمةً إعرابه؟

طالب:...

تكرمةً؟

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

مفعول لأجله، مفعول لأجله، وإن شئت فقل: مفعول له، ويجوز نصبه على المصدر، يجوز نصبه على المصدر وهو مفعول لأجله، كم بقي؟

طالب:...

ندير على شيء من هذا؟

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

اللهم صلّ على محمد.   

يقول: بعض الشركات شركات السيارات تضع علامة على السيارة تشبه الصليب، يقول: ومثله علامة الزائد في الجمع، العمليات الحسابية التي تقابل الطرح؟!

هذه أمور لا يقصد منها هذا الأمر، السيارات وصناعها نصارى قد يقصدون، لكن مثل عمليات الطرح وأحيانًا أمور لا بد منها، تعرفون الدلو؟ الدلو؟
طالب:...
تعرفه؟
طالب:...
نعم.
طالب:...
الدلو الذي يستخرج به الماء من البئر، الحبل يربط بأي شيء؟ بعلامة جمع، نقول: هذا صليب؟ ما نقول؛ لأنه غير مقصود، أيضًا الإنسان إذا أراد أن يمد يديه يمينًا وشمالاً يقال: هذا صليب، لا تمد يديك؟
لا، هذه أمور غير مقصودة.

يقول: ما حكم المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام والمسجد النبوي؟

المسجد النبوي هو الذي جاء فيه حديث أبي سعيد، هو الذي جاء فيه النصّ: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره» حديث أبي سعيد، كان يصلي فأراد شابٌّ من بني أبي معيط أن يمرّ بين يديه فردّه، فأراد أن يمرّ ثانية ردّه، فلما سلّم قال الحديث في هذا المسجد، فيتحرى الإنسان، نعم هناك أوقات مناسبات وأوقات زحام شديد ويصعب الردّ والإنسان ما اتخذ سترة، هذا ليس له أن يردّ، ونقص صلاته بسبب تفريطه.

هل يصح أن يقول الرجل: والذي نفسي بيده؟ أو يختص بهذا القول بالنبي -صلى الله عليه وسلم-؟

ما الذي يمنع من قولها؟ ما فيه ما يمنع، لا يوجد ما يمنع من قول الرجل: والذي نفسي بيده، ويقصد بذلك الله -جل وعلا-. يقصد بذلك الله -جل وعلا-.

هل يفهم من قوله: «ويقتل الخنزير» أن الكفار حينئذٍ ليس لهم ملك على ما بأيديهم؟

الأصل الحرام ليس بمال، وما ليس بمال لا يملَك، وعلى هذا لو يوجد خنزير في بلاد المسلمين وأمكن فوجوده منكر، وأمكن تغيير هذا المنكر باليد لتعيّن.